عالم الطيران الحربي والمدني
مرحبا عالم الطيران

تاريخهم وارشيفنا احتلال العرب لفرنسا وسويسرا وبيومن وفالية وايطاليا الا

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

default تاريخهم وارشيفنا احتلال العرب لفرنسا وسويسرا وبيومن وفالية وايطاليا الا

مُساهمة  مشاري في الخميس يناير 20, 2011 7:49 pm

سويسرا والمسلمون الاندلسيون
اعداد محمد السماك
من تاريخهم وارشيفنا


هناك اعتقاد عام بأن المسلمين العرب بعد أن احتلوا إسبانيا في عام 711 وأقاموا دولة الأندلس خسروا معركة بواتيه Poitiers في جبال البيرينيه Pyrenees في عام 732 وأن خسارتهم تلك تعود إلى كونهم "صحراويين" لا يتحملون البرد ولا الطبيعة الجبلية الوعرة بما فيها من غابات ووديان.


عندما احتلّ المسلمون جبال الآلب



وهناك اعتقاد عام أيضاً بأنهم بعد تلك الهزيمة التي لحقت بهم على يد شارل مارتل

عندما احتلّ المسلمون جبال الآلب


Charles Martel أنغلقوا على أنفسهم في الأندلس حتى دالت دولتهم بسقوط غرناطة.

عندما احتلّ المسلمون جبال الآلب




هذه الدراسة تحاول أن تقدم وقائع علمية تثبت أن هذه الإعتقادات ليست صحيحة. كما تحاول أن تبين كيف أن المسلمين وصلوا إلى جنوب فرنسا واحتلوا مدناً مثل ليون وغرونوبل. كما وصلوا إلى سويسرا وحاصروا جنيف ولوزان وسيطروا على شمال إيطاليا، وأنهم أقاموا المستوطنات في جبال الألب. وأشرفوا بصورة مباشرة ولمدة قرن تقريباً على الممرات الألبية الستراتيجية في الغرب وفي الشرق على حد سواء.
وثمة آثار تركها العرب المسلمون في هذه المناطق جرى التعتيم عليها طويلاً، إلاًأن العلماء بدأوا التنقيب عنها مؤخراً. ولا يقتصر التنقيب في بقايا القلاع أو حتى الأديرة(التي كانت مساجد) فقط، أنما في بعض العادات والتقاليد، ومنها مثلاً عادة الإمتناع عن تربية الخنازير، وفي أسماء العديد من المواقع التي تقع في عمق جبال الألب والمتداولة حتى اليوم..وكذلك في أسماء بعض العائلات من السكان الحاليين في بعض الأودية الجبلية.
وتعتمد هذه الدراسة أساساً على بحث أعده البروفسور مأنفرد وينر Manfred Wenner أستاذ التاريخ في جامعة اليونز الاميركية ونشرته مجلة دراسات الشرق الأوسط Middle East Study في عددها رقم 12 الصادر عام 1980م تحت عنوأن: "الوجود العربي - الإسلامي في وسط أوروبة في العصر الوسيط".
إن الوقائع التاريخية والتي لا يزال بعض آثارها قائماً حتى اليوم تثبت أنه بعد ثلاثة قرون على معركة بواتيه التي تعتبر بداية نهاية التوسع العربي - الإسلامي في أوروبا، حافظ المسلمون على تواجدهم في عدة مناطق من أوروبة خارج شبه جزيرة أيبيريا(إسبانيا والبرتغال). ومع أن هذا التواجد كان موضع إهمال أو تناسٍ في إطار الصورة الأوسع للعلاقات الإسلامية - المسيحية خلال فترة القرون الوسطى، فقد تبين للباحثين المتخصصين في القرنين التاسع عشر والعشرين أنهم تركوا وراءهم تراثاً اكبر بكثير مما كان يُعتقد من قبل.
ولعل أكثر مواقع التواجد إثارة للاهتمام تلك التي أسفرت عن سيطرة المسلمين العرب على الممرات الاستراتيجية في سلسلة جبال الألب التي تربط إيطاليا ببقية أوروبا وذلك لعدة عقود في القرن العاشر الميلادي.
إن هذه المقالة هي إيجاز سريع لأحداث تلك المرحلة. وهي تحاول تحليل الدوافع التي أدّت إلى التوغل الإسلامي في أوروبا الغربية، وإلى أسلوب إدارة المسلمين لتلك المناطق التي لم تكن جزءاً من الدولة الإسلامية، وأخيراً إلى المشروعية الحديثة التي يمكن استخلاصها من تلك المرحلة عندما سيطرت القوات العربية - الإسلامية على جزء هام من طرق المواصلات الأوروبية الغربية.
في الوقائع
في وقت ما حوالي عالم 889 ميلادية، نزلت قوة صغيرة من المسلمين العرب(قوامها حوالي 20 رجلاً) في منطقة فرنسية على ساحل البحر المتوسط قريبة من منطقة تعرف اليوم باسم "سان تروبيز(1) St. Tropez ". وكانت هذه المنطقة تُعرف في القرون الوسطى باسم "فراكسيناتوم Fraxinetum". أما اليوم فأنها تعرف باسم "فرينيه Frainet" وهي تقع في إقليم الـ" فار Var"، جنوب فرنسا.
ويبدو أن الموقع والمحيط العام كانا مناسبين للمسلمين العرب الذين أقاموا التحصينات الدفاعية، ومن ثم استقبلوا بعد عدة سنوات هجرات متلاحقة، بما في ذلك هجرات من النساء والأطفال.
ووفر جبل مجاور للموقع يُعرف اليوم باسم جبل الـ"مورMaures " (وهو الاسم الذي كان يطلقه الأوروبيون على عرب الأندلس) حجر الزاوية في منظومة الدفاع ضد الهجمات البرية. ومع الوقت نمت هذه المستوطنة حجماً وسكاناً.
وما أن تمّ تحصين هذه المستوطنة ضد أي هجوم معاكس، حتى بدأ العرب المسلمون توسيع هيمنتهم إلى الممالك المجاورة، ومنها مملكة بورغوندي Burgundy، ومملكة إيطاليا Piedmont. ولما لم تبدِ تلك الممالك مقاومة تذكر، ولما كانت عائدات الهيمنة عالية، تمكنت المستوطنة العربية الإسلامية في فراكسيناتوم Fraxinetum من جذب المزيد من موجات العرب المسلمين من إسبانيا الإسلامية (الأندلس).
واستناداً إلى مصادر معاصرة فأن السبب الرئيس الذي أدى إلى توفير حرية الحركة نسبياً في هذه المناطق، هو أنها كانت مقسمة الولاءات بين عدد كبير من الأمراء والنبلاء الأوروبيين الصغار. وكان الواحد منهم حتى يستقوي على الآخرين، لا يتورع عن التحالف مع المهاجمين العرب المسلمين(2).
وطوال العقود الثلاثة الأولى من القرن العاشر، أي حتى عام 930 ميلادية، لم يقم القادة الأوروبيون المحليون بأي عمل مضاد يذكر. وخلال هذه السنوات نجح العرب المسلمون في اقتحام أو تدمير جزئي أو كلي لعدد من المدن مثل مدينة "أستي Asti" ومدينة "آكوي Acqui" في الشرق، وكذلك عدد من الأديرة في "نوفاليز Novalise" و"أولكس Oulex"، و"أمبرون Embrun" "وفينّا Vienne" و"فالنسيا Valence " في الغرب، كما شنوا هجمات أساسية على عدد آخر من المدن، مثل مدينة "اكس أون بروفانس Aix-en-Provence "،و "مرسيليا Marseille" في الجنوب(3).
وأهم من ذلك كله، تمكن العرب المسلمون في ذلك الوقت من السيطرة على الممرات الثلاثة الأساسية بين فرنسا وإيطاليا. وهي: "سان برنارد St. Bernar"، وجبل "سانيس Mt. Cenis" وجبل "جنيف Mt. Geneve"، وبذلك أصبحوا قادرين على السيطرة على طرق التجارة، وعلى التحكم بحركة الحجاج من المناطق الشمالية والغربية والذين يستخدمون هذه الممرات في طريقهم إلىروما(4).
ويبدو أن هذا العامل الأخير هو الذي أدى إلى بذل أول جهد جدي لإخراج العرب المسلمين من مستوطنة "فراكسيناتوم Fraxinetum". ففي عام 931م هاجمت وحدات من الأسطول اليوناني البيزنطي المستوطنة من البحر. ولكن يبدو أن هذا الهجوم لم يكن مؤثراً، ذلك أن الوقائع عن أحداث ذلك العام، تثبت أن العرب المسلمين كانوا لا يزالون يسيطرون على الممرات الرئيسة في جبال الألب الغربية. بل أن عملياتهم ازدادت حجماً وضراوة، ذلك أنه، وعلى سبيل المثال، كانوا وراء مقتل رئيس الأساقفة روبرت Archbishop Robert مطران تورز Tours، وهو في طريق عودته من روما عبر أحد الممرات الغربية.
وفي العقد التالي، ازدادت بشكل كبير مساحة الأراضي الخاضعة لسيطرة العرب المسلمين. وتجاوزت عملياتهم شمال الألب ووصلوا إلى الدير الشهير في سان موريس St. Maurice في وادي الرون Rhone. وفي الوقت نفسه تركوا آثارهم حتى في شمال الوادي(الرون) أيضاً. وغنموا مواقع المطرانية في شير ريتيا Chur in Rhaetia.
ولأن الهنغاريين بدأوا في ذلك الوقت غزواتهم واجتياحاتهم لوسط وغرب أوروبا، فإن الوقائع التي شهدتها تلك العقود من القرن العاشر تتسم بحالة من الإرباك، ولذلك لا يمكن الاعتماد عليها دائماً. من أجل ذلك فأنه ليس واضحاً تماماً أي طريق سلكه المسلمون العرب في تقدمهم إلى ما يعرف اليوم بجنوب سويسرا، ثم إلى المناطق الشمالية الأبعد. إلا أن هناك ثلاثة طرق محتملة، لكل منها ما يبرر الإعتقاد بأنهم سلكوه. كما أن لكل منها من يشكك فيه. أول هذه الطرق المحتملة هي أن المهاجمين العرب المسلمين تقدموا بشكل منهجي مع وادي الرون Rhone Valley، وأجتازوا ممر فوركا Furka Pass ومن هناك تابعوا خط الراين Rhine. ويقدم البعض دليلاً على ذلك أسماء عربية لبعض المواقع (مثلاً: برج السراسين - أي برج المسلمين العرب) قرب مدينة فافي Vevey السويسرية، ووجود مقبرة في منطقة جنيف للمسلمين العرب.
أما الطريق الثاني الذي يحتمل أن يكونوا قد سلكوه فهو طريق جبل سينيس Mont Cenis عبر السهول الأيطالية الشمالية، شمالاً حتى سويسرا اليوم عبر ممري برناردين Bernardin وسبتيمر Septimer. غير أن عدم توفر سجلات عن آثار عمليات قام بها المسلمون العرب في المدن المجاورة للممرين أو في ضواحيهما، تلقي بعض الشك على هذا الاحتمال.
أما الاحتمال الثالث فهو التقدم عبر ممرّ سان برنار St. Bernard ومن ثم شمالاً عبر سلسلة أودية التلال الألبية، ومواصلة التقدم شمالاً عبر الممرات المتوفرة: جبل مورو Monte Moro (جبل المغاربة)، ثم لوقمأنير Lukmanier (لقمان) وغيرها. وهذه الطريق وفّرت لهم مواجهة الحد الأدنى من المقاومة، ثم أنها معززة بعدد كبير من أسماء المواقع التي قد توحي بأنها عربية الأصل(5).
على أي حال، وأياً كانت الطرق التي سلكوها، يبدو أنه في العقد الثالث من القرن العاشر، استقر العرب المسلمون بشكل جيد في بعض المدن الإيطالية الشمالية الواقعة في وديان التلال الألبية(على سبيل المثال: فيرسيلي "Vercelli"). وسيطروا على الأقل على الطرق الرئيسة في الألب التي تربط الشمال بالجنوب. وهي: سان برنارد الكبير Great St. Bernard، وبيرنهاردين Bernhardin وسبتيمر Septimer، ومع احتمال سيطرتهم أيضاً على جبل مورو Mont Moro ولقمانير (لقمان)، وربما سيمبلون Simplon أيضاً.
[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابط للتسجيل اضغط هنا]


مدينة ليون

[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابط للتسجيل اضغط هنا]



مملكة ليون
مرة جديدة أدى توسع المسلمين العرب، وطبيعة العمليات التي كانوا يقومون بها، إلى بذل الجهد الأوروبي المشترك لتدمير فراكسيناتوم Fraxinetum، باعتبارها قاعدة العمليات. حاولت قوات تابعة للملك الإيطالي هيغو Hugo شنّ هجوم مشترك على المدينة بالاشتراك مع البيزنطيين.
واستناداً إلى وقائع معاصرة لتلك الفترة، فأن سيطرة اليونانيين على البحر من جهة، والهجوم البري للملك هيغو عبر جبل مور Mont Maures من جهة ثانية، كان على قاب قوسين أو أدنى من النجاح. ولكن الملك هيغو الذي فوجئ بمنافس شديد المراس على عرشه، قرر توجيه اهتمامه نحو مصالحه الشخصية، أي نحو مستقبله على العرش الإيطالي.
ففي ذلك الوقت، إدعى بالعرش الكونت بيرينغار Berengar من أيفريا Ivrea وحشد لتأييد إدعاءاته. وحاول بشكل خاص الحصول على دعم هيرمان Hermann من صوابيا Swabia، واجتاز من أجل ذلك ممر سان بيرنار الكبير في طريقه شمالاً للحصول على المساعدة الضرورية. هنا ألغى الملك "هيغو" هجومه على مستوطنة "فراكسيناتوم" القاعدة العربية، ودخل بدلاً من ذلك في حلف مع المسلمين العرب. وبموجب هذا الحلف سيطر العرب المسلمون على جميع ممرات الألب من الغرب(جبل جنيفر Mont Genevre) إلى الشرق(ممر سبتيمر Spetimer).
وعلى الرغم من أن الأمور استقرت لهم، فأن المسلمين العرب إستناداً إلى بعض الوقائع، شنوا مزيداً من الهجمات على المناطق الواقعة في شمال الألب. وعلى سبيل المثال هوجمت شور Chur أكثر من مرة، كما هوجمت سان غالين St. Gallen التي تقع بالقرب من بحيرة كونستانس Constance وذلك في عام 954 ميلادية وهو العام نفسه الذي وقعت فيه أيضاً مدينة غرونوبل Grenoble في الغرب بأيدي العرب المسلمين.
يبدو أن المسلمين العرب بلغوا في تلك الفترة أوج قوتهم. وعلى الرغم من وجود وقائع تعود إلى عام 972م(من هذه الوقائع بشكل خاص فرض ضريبة على سان مأيولوس St. Maiolus في كلوني Cluny) تؤكد سيطرتهم على سان برنارد St. Bernard، فأن الوقائع المعاصرة تتوافق مع التراجع العام في عملياتهم.
(إضافة إلى ذلك هناك وقائع مسجلة عن اعتناق المسيحية من قبل عناصر من الوثنيين في المناطق الجبلية.وهو أمر استمر حتى بدايات القرن الحادي عشر)(6).
وفي أواخر عام م960 إسترجع الأوروبيون مدينة غرونوبل Grenoble من المسلمين العرب، كما أن مجموعة من الممرات الجبلية التي كان يعبرها ملوك أو شخصيات سياسية مرموقة لم تعد بيدهم أيضاً.
وفي عام 975 جرت محاولة جديدة للسيطرة على القاعدة العربية - مستوطنة فراكسيناتوم، قام بها تحالف من النبلاء: وليهام Duke Wilhelm نبيل ارليز Arles، والكونت اردوين Arduin، نبيل أيفريا Everea وتورين Turin، وربما الكونت روبالد Robald، نبيل البروفنس Province.
هذه المرة نجحت المحاولة وتمت السيطرة على فراكسيناتوم. فتشتت سكانها المسلمون وطُرد بعضهم، وحُوِّل بعضهم الآخر بالقوة إلى المسيحية، وأُجهز على بعضهم، وبيع البعض الآخر عبيداً في سوق النخاسة.(وقد بقيت ذرية هؤلاء عبيداً في المنطقة حتى بعد مرور أربعة قرون). ويبدو أن القليل جداً منهم تزوج واستقرّ محلياً(7).
الدّوافع
من الصعب الجزم بدقة في أسباب إقامة مستوطنة فراكسيناتوم. فإستناداً إلى العديد من الكتّاب(بما في ذلك وقائع تلك المرحلة)، كان غرب البحر المتوسط مسرحاً لهجومات مسلحة متبادلة بين المسلمين والمسيحيين، إلا أن اليد العليا كانت للمسلمين الذين وصفهم الكتّاب الغربيون والمؤرخون منهم بالقراصنة، واتهموهم بالتسبب في زعزعة التجارة والحياة الاقتصادية المحلية. وإستناداً إلى ذلك تكوّن اعتقاد بأن عاصفة هوجاء ربما تكون قد دفعت إلى الشاطئ المجموعة الصغيرة التي أقامت تلك المستوطنة. وهو اعتقاد يوحي بأن قيام مستعمرة "فراكسيناتوم"كان مجرد صدفة.
ولكن هناك نظرية أخرى تقول أنه خلال عهد الأمراء(لاحقاً الخلفاء) في قرطبة، أصبح تقليداً القيام بغزوات متواصلة على مناطق الحكام المسيحيين، وهي المناطق التي تُعرف اليوم بفرنسا وإسبانيا.. وكانت تلك الغزوات تسمى بـ"الصيفية" لأنها كانت تجري خلال فصل الصيف. ويبدو أن الهدف الأساس من وراء تلك الغزوات الصيفية هو إظهار الالتزام الديني بركن الجهاد، والذي لا يمارس إلا خارج حدود دار الإسلام(Cool.
وبما أن المشاركين في الغزوات كانوا يحصلون على كميات كبيرة من الغنائم، فيبدو واضحاً أنه كان هناك هدف آخر وراءها، وهو زيادة الثروات الشخصية للطامحين والمغامرين. ولعل هذا ما يفسر على سبيل المثال، مشاركة مسيحيين ويهود في تلك الغزوات، كما تؤكد تلك الوقائع. على أي حال ألحقت "الصيفية" بالسكان المحليين صعوبات كثيرة. ذلك أنه بالرغم من المبالغات المسيحية حول السلوك الإسلامي، فمن الواضح أن غزو وتدمير القرى الصغيرة والقضاء على المحاصيل الزراعية كان سلوكاً عاماً.
وهناك مؤشرات إلى أن بعض هذه الغزوات على الأقل، كان يُنفذ من أجل الحصول في الدرجة الأولى على أسرى من الرجال يطلق عليهم اسم " الصقالبة". وكانوا يُنقلون إلى إسبانيا ومن ثم ينضوون في الخدمة الشخصية للأمير/ الخليفة. وبما أنهم كانوا يعتبرون رجالاً أشداء يمكن الاعتماد عليهم في القوات المسلحة والحرس الشخصي، وبما أنهم كانوا يُدرّسون ويُدرّبون في المعاهد الإسلامية من أجل هذا الهدف، فأن هذه العملية تشبه ما قام به سلاطين بني عثمان -فيما بعد- الذين كانوا يجندون ويوظفون السجناء المسيحيين (قوات الإنكشارية). وفي الحالتين غالباً ما كان السجناء الذكور يُخْصَوْنَ(9).
وتشير كل من السجلات الإسلامية والمسيحية معاً إلى ممارسة عمليات الحصول على "الصقالبة" من مختلف المناطق، رغم أنه يبدو أن المصدر المفضل كان وادي الرون Rhone وشمالاً حتى ميتز Metz وفردان Verdun.
ومن المثير للاهتمام هو أن اليهود في هذه المنطقة تصرفوا باستمرار كوسطاء بين الإسبان المسلمين والمصادر الأوروبية التي كانت تزودهم بالرجال. أن يهود منطقة براغ Prag، وهي مركز آخر للتزود بالرجال ساهموا تحديداً في هذا النوع من التجارة. مع ذلك فأننا لا نعرف ما إذا كان هؤلاء الوسطاء اليهود قد استقدموا من إسبانيا، أم أنهم كانوا يقومون بنشاطهم التجاري كأعضاء في الجالية اليهودية من أبناء تلك المناطق(10).
أن مصدر كلمة "صقالبة" نفسه كان موضع جدال بين اللغويين. وذلك لأن الرحالة العرب في القرون الوسطى كانوا يطلقون على السلاف في أوروبا الوسطى اسم صقلبي للمفرد، وصقالبة للجمع. ولا يعرف ما إذا كان هذا اللفظ العربي مشتق من اصل لاتيني أي من كلمة اسكلافوس Esclavus ومعناها العبد، أو من الكلمة العربية للسلاف. ويبدو أنه يمكن العودة بها إلى أي من المصدرين.
النماذج الإدارية
من المتفق عليه بصورة عامة أن الجيوش العربية الإسلامية التي أقامت الإمبراطورية المترامية الأطراف في القرن الذي أعقب وفاة الرسول محمد -صلى الله عليه وسلم-كانت قد استحدثت مبادئ متطورة نسبياً لإدارة الأراضي والشعوب التي خضعت لاحتلالها(11). ورغم هذه المبادئ، يبدو أن العناصر المتقدمة من الجيوش المنتصرة كانت اقل اهتماماً بجماليات الإدارة العامة. فالقانون الذي استحدث أو الذي جرى تطويره للتعامل مع شعوب الأراضي الجديدة الخاضعة للإدارة الإسلامية، لم يكن باستمرار موضع التزام.
إذ أنه ما أن يثبّت الاحتلال أقدامه، حتى يبدأ العمل بالإجراءات الإدارية التي كانت تعكس قدراً كبيراً من التسامح مع الشعوب المحتلة ومع معتقداتها وممارساتها الدينية والاجتماعية. وليس هذا هو الموضع المناسب الآن للحديث -على سبيل المثال- عن الإنجازات الإدارية والثقافية للإدارة العربية في إسبانيا وصقلية أو في غيرهما من الأراضي التي جرى أسلمتها. غير أنه يبدو أن السؤال الهام في هذا الشأن، هو: متى ولأي سبب كانت الجيوش العربية وقادتها يقررون وضعية المنطقة الجديدة ووضعية سكانها، وبالتالي تحديد النماذج الإدارية التي كانت تطبق عليها؟ فبالرغم مما كان يتمتع به الخليفة في قرطبة من مواصفات كريمة وايجابية، فأن السجلات الأوروبية عن تلك المنطقة تتضمن معلومات عن غزوات إسلامية في المناطق الأوروبية بعد هزيمة بواتيه Poitiers، وهي سجلات حافلة بتقارير عن سلوك معاكس. فإلى ماذا يمكن أن نعزو هذه النماذج البائسة من سلوك القوات العربية الإسلامية؟
من المؤكد أنه من الصعب التحقق بدقة في هذا الوقت المتأخر من صحة هذه الأحداث ومن نماذج السلوك التي كانت ترتبط بها. ولكن هناك ما يبرر بوضوح التعامل بشيء من الريبة والشك مع المصادر المسيحية المتعلقة بالمسلمين العرب. مع ذلك يبدو أنه بالإمكان التوصل إلى إستنتاجات عامة، فمن اللافت للانتباه أننا لا نملك مصدراً عربياً واحداً معاصراً عن تلك الأحداث التي جرت هناك. علماً بأنه يمكن في المستقبل إلقاء الضوء على بعض هذه المصادر. ويبدو مشروعاً في هذه المرحلة أن نستنتج بأن علية القوم في قرطبة، لم يكترثوا كثيراً للنشاطات التي كانت تقوم بها مستوطنة فراكسيناتوم Fraxinetum. وفي الواقع فأنه رغم أن ثمة دليلاً يشير إلى أن إعداداً كبيرة من المسلمين العرب كانوا معنيين بنشاطات المستوطنة على مدى مائة سنة، فأن المعلومات الجغرافية والسياسية والاجتماعية عن أوضاع المنطقة التي سيطروا عليها لم تجد طريقها إلى أوروبا(12).
وعلى الرغم من أن هناك دلائل على وجود اتصالات تجارية متطورة وعلى الرغم من أننا نعرف من مصادر أوروبية وعربية أنه جرى على الأقل اتصال دبلوماسي واحد بين الأوروبيين المسيحيين(الملك أوتو الأول Otto) والخليفة في قرطبة (عبد الرحمن الثالث)، وعلى الرغم من أننا نعرف أن هدف هذا الاتصال كان التمني على الخليفة وقف مساعداته إلى مستوطنة فراكسيناتوم Fraxinetum، فأن كل ما يتضمنه هذا العرض من الأحداث لم يأت المؤرخون المسلمون على ذكرها، كما أنها لم ترد في أي من وثائقهم(13).
ومن شأن ذلك أن يقدم لنا دليلاً حول الإستنتاجين التاليين:
1 - أن نشاطات مستوطنة فراكسيناتوم كانت في كليتها أو في معظمها تقوم بها قوات غير نظامية. أي قوات متجمعة من القراصنة والمرتزقة(بمن فيهم مسيحيون ويهود ومسلمون) من دون أن يكون بينهم أحد من العلماء.
2 - أن النظرة إلى نشاطات مستوطنة فراكسيناتوم لم تكن تتعدى كونها رحلة "صيفية" ناجحة، أو ربما براءة للذمة الدينية في ممارسة "ركن الجهاد"؟!
وتؤكد الأدبيات المعاصرة، ولاحقاً الأدبيات الأوروبية، أن التفسير الوحيد لتراجع القوات العربية - الإسلامية من المناطق الألبية، يعود إلى غضب السكان المحليين الذي إنفجر بعد السيطرة على سانت مايولوس St. Maiolus لفرض القوة علىالسكان. ولكن في ضوء المحاولات غير المجدية التي جرت خلال العقود القليلة الأولى من وجودهم، فأن هذا التفسير يبدو غير مقنع. أن قراءة متأنية لملابسات توسع وتراجع مستوطنة فراكسيناتوم تشير إلى احتمال وجود عامل آخر، قد يكون مهماً. وهو عامل غفل عنه الكتّاب السابقون، ويتعلق بدور الخليفة في قرطبة في رعاية أو حتى في دعم هذه "الصيفية".
ويبدو أن موت الخليفة عبد الرحمن في عام 961م، واعتلاء ابنه الحَكَم الثاني العرش، شكل نقطة تحوّل جذرية. فالمستندات المعاصرة والحديثة تؤكد أن الحَكَم كان أكثر تسامحاً وحباً للسلام من والده؛ وأن سياساته الداخلية والخارجية، وكذلك سلوكه الشخصي الذي تشير إليه هذه المستندات، تجعل من الممكن القول أنه -أي الحَكَم- رفض مواصلة دعم "الصيفية" التي كانت تزعج مسيحيي أوروبة الوسطى.
ومن الممكن أن يكون قد أوقف الإذن بالسماح للقوات المساندة بالتوجه إلى مستوطنة فراكسيناتوم من المرافئ الإسبانية. ولعله تأثر باتخاذ هذا القرار بالبعثة التي كان قد أوفدها الملك أوتو الأول Otto إلى قرطبة. وهكذا، وبأنعدام هذا الدعم(المادي والبشري) بات من الطبيعي أن تصبح للسكان المحليين في المناطق الألبية اليد العليا.
وبما أنه يفترض أن يكون المسلمون قد منوا بخسائر في الأرواح من خلال اشتباكاتهم المتواصلة مع السكان المحليين، وبما أنه يفترض أيضاًأن يكونوا قد منوا بمثل هذه الخسائر في المعارك التي خاضوها ضد الهنغاريين الذين كانوا يجتاحون المناطق الغربية من أوروبا، فقد كان من الضروري بالنسبة إليهم أن يكون هناك مصدر للدعم يعتمدون عليه. غير أن مراجعة أحداث منتصف القرن العاشر تشير إلى تراجع حاد في قوة قبضتهم بعد منتصف الستينات من العام 900م، سيما إذا ما قورنت بسجل النجاحات الباهرة إلى حققوها حتى ذلك الوقت. مع ذلك فأننا لا نملك أي مؤشرات على أن هذه القوات الإسلامية التي كانت تعمل في ممرات الألب عانت من أنتكاسات أو هزائم على يد السكان المحليين. وإذا كان ثمة من أمر، فهو الإشارة إلى أنه كانت هناك عملية انسحاب عندما وقع حادث سانت مايولس St. Mailus في ممر سان برنارد الكبير St. Bernard. مما يؤكد أو يعزز الاحتمال بوجود تغيير في سياسات الخليفة، ويقدم بالتالي تفسيراً أكثر عقلانية لظاهرة اضمحلال الوجود الإسلامي العربي في المناطق الألبية.
المؤشرات الأثرية
احتفظت هذه الممرات الألبية التي تفصل شمال وغرب أوروبة عن إيطاليا بقدر كبير من أهميتها الجغرافية حتى السبعينات من عام 1970م، ولذلك من المفيد تلخيص وتحليل المتوفر من المعلومات التي تتعلق بهذا القرن من نشاطات المسلمين العرب.
يبدو أن البحث المنظم عن الآثار المتعلقة بالمسلمين العرب في جنوب فرنسا والمناطق الألبية لم يبدأ إلا بعد نهاية الحرب العالمية الثانية. فالكتّاب الأولون الذين أبدوا اهتماماً بتلك المرحلة، تفقدوا بصورة خاصة القلاع والتحصينات المختلفة التي تعود إلى المسلمين العرب، وذلك استناداً إلى الروايات المحلية وأحياناًً إلى بعض المعلومات الموثقة(14)، وإلى القليل جداً من المخطوطات.
استمر ذلك حتى قام جون لاكام Jean Lakam بأبحاثه المستفيضة عن الوجود العربي الإسلامي. وقد شمل ذلك المقابر والأسلحة، والنقود والآبار، والمباني(15)، وأهم من كل ذلك، اكتشاف "المحراب" في جدران بعض الكنائس في جنوب فرنسا وخاصة في ناربونNarbonne(16). ومن الممكن كذلك أن تكون بعض الكنائس والكاتدرائيات القائمة اليوم في منطقة الـ"فار Var " ووادي الرون Rhone، قد بنيت أساساً كمساجد وتمّ تحويلها بعد ذلك. ومن سوء الحظ أن بحثاً مماثلاً لم يجرِ حول هذا الأمر في سويسرا.
إيطاليا

المؤشرات اللغوية
لعل الخلاف الأشد بشأن الوجود العربي الإسلامي في المناطق الألبية يقع في دائرة البحث اللغوي. ويعود عدم التأكد إلى عدة أسباب:
أولاً: هناك خلافات كبيرة بشأن مصدر العديد من أسماء الاشخاص والمواقع في المناطق الألبية. وقد أدى ذلك إلى اعتقاد عدد من العلماء والكتّاب في القرن التاسع عشر إلى أن بعضها يعود إلى أصول عربية(17). ومما لا شك فيه أن ذلك ترافق مع وجود عدد كبير جداً وبشكل غير طبيعي من أسماء المواقع في سويسرا التي تبدأ بـ"الـ" التعريف العربية. والأمثلة على ذلك تتضمن أسماء مثل:
الماجل: Al magell
البولا: Al bula
البانا: Al bana
البريس: Al bris
وهذا غيض من فيض.
ثأنياً: هناك مواقع عديدة في شمال إيطاليا (وخاصة في وادي أنزاسكا Anzasc) وفي جنوب سويسرا وفي شمال فرنسا تحمل لفظة مور Moorكجزء من الاسم. وعلى سبيل المثال جبل دي موراس Mont de Maures (في جنوب فرنسا).
وجبل مورو Mont Moro (على الحدود بين إيطاليا وسويسرا).
أنالأمر المثير حقاً في معظم هذه الحالات هو أن المواقع التي تحمل هذه الأسماء كانت إما مواقع للمسلمين العرب حيث أقاموا فيها حصوناً وقلاعاً، أو أنها تقع في طريق الممرات والطرق التي سيطروا عليها واستخدموها.
أن بحثاً لغوياً من هذا النوع هو بحث تخميني بدرجة عالية ومن المستحيل معرفة:
أ- أي لغة أو لهجة اعتمد المسلمون.
ب- كيف كان لفظ عدد من الكلمات الأساسية.
ج- أي تحوير طرأ على الكلمات العربية على مرّ القرون على يد المتحدثين الألمان والفرنسيين والإيطاليين.
وهناك المزيد من الإشكاليات التي تتعلق بهذه التخمينات. منها أن اسم أي موقع في سويسرا يبدأ بحروف أ - ل - ب يصبح موضع شك على الفور. ذلك أنه من المرجح أن الاسم المتداول هو ببساطة مشتق من الألب. لذلك لا يمكن أيلاء ثقة كبيرة بأن تكون أسماء هذه المواقع من مصادر عربية حكماً.
ولكن على الرغم من وجود أسماء أخرى يحتمل أن تكون مشتقة من أسماء عربية فأننا لا نملك أي منهجية علمية لتثبيت هذا الربط. وهذه لائحة مختصرة بأسماء المواقع التي يعتقد على نطاق واسع أنها مرتبطة بوجود المسلمين العرب والتي لا تزال مستخدمة حتى اليوم(18):
- جسر السراسينوروم pons Saracenorum(مدينة هامة على طريق ممرّ برنينا، تدعى اليوم Pontresina) أي جسر المسلمين العرب.
- المحل(قرية في وادي الساس) Almagell
- إلى العين(جبل قرب وادي الساس) Allain - Allalain
- العين (جبل في وادي الساس) Alp Aien
- مشأيل ومشبل(سلسلة ينابيع مياه في وادي الساس واسمها الأصلي Mushbil Mushabil) أشبال الأسد.
جابي- أي جامع الضرائب(قرية في الطريق إلى ممر سيملون واسمها الأصلي Jabi) Gstein- Gabi.
تجدر الإشارة هنا إلىأن الاسم الأول فقط من هذه اللائحة موثق في المصادر المعاصرة(19). ومما لا شك فيه على الإطلاق أن مصدر اسم بونترسينا Pontresina هو الاسم الوصفي اللاتيني بمعنى جسر السراسين Saracens. وهذا ما يعطي الانطباع بأن السراسين(أي المسلمين العرب) أقاموا هناك جسراً هاماً. أكثر من ذلك، أن الاسم العائلي الأكثر تداولاً في المنطقة سرّاز Sarraz يرتبط بغطاء للسلاح يشبه شكل الجسر(20).
إضافة إلى ذلك هناك أسماء العديد من المواقع:
قصر سراسين Chateau Sarasim، جسر سراسين، إضافة إلى أسماء عدد من القرى الصغيرة في غرب سويسرا التي تتناثر شمالاً حتى برنر جورا Berner Jura (حفرة برنر) (السراس La Saras) والتي يعتقد أن أصولها تعود إلى المسلمين العرب (السراسين). وبما أن ثمة وثائق تؤكد أن هذه التسميات لم يكن لها أي ذكر إلا بعد وجود المسلمين العرب فيمكن القول أن ثمة علاقة تاريخية بينهما. مع ذلك ينقص الإثبات.
إن الأسماء التي يظن أنها مستخرجة من العربية تثير القدر الأكبر من الصعوبة.
ويمكن الإعتقاد بأن الصلة المنطقية بين تعبير معين باللغة العربية وما يدل عليه في الوقت الحاضر يؤكد صدقية هذا الادعاء. غير أن هذا المنطق يصطدم بصعوبات معينة. فالبحث في الاسماء العربية التي يفترض أن تكون محل استخدام في مثل هذه المناطق، (مثل: الثلج والجليد والممر والانهيار الثلجي والشقوق والحواجز والسيل، وسواها) ليست على تماثل مع الأسماء المتداولة. غير أن ذلك وحده لا يكفي بشكل كامل لاستبعاد أسماء هذه المواقع التي يعتقد أنها مشتقة من العربية. فهي تشير إلى صعوبة الاحتفاظ بأسمائها لمدة ألف عام من دون تغيير أو تحوير. أكثر من ذلك، ففي واحدة من المواقع التي أشرنا إليها أعلاه، مشبل Mushbail، ثمة من الأدلة ما يشير إلى أن الاسم مشتق في الحقيقة من لهجة محلية. وفي إعتقاد أحد المؤرخين المرموقين، فإن هذه السلسلة الجبلية بالذات تستمد اسمها من اسم محرف هو Mistgabel ومعناها(شوكة السِّماد)، وهو اسم يشبه إلى حد كبير إحدى الأدوات الزراعية المحلية المستخدمة على نطاق واسع.
ومما يعزز هذا الاعتقاد أن وجود العديد من المواقع في المنطقة التي لم تحمل أي اسم على الإطلاق حتى وقت متأخر. فبعض الاسماء المعروفة اليوم ربما تعود بشكل مباشر إلى الأحداث التي وقعت خلال السنوات الخمسين الماضية والتي لا يعرف مصدرها سوى المحليين من السكان(المسنّون منهم) الذين يتذكرون تلك الأحداث. (يبدو أن مصدر هذه التسمية ليس جزءاً من الفولكلور المحلي).
ومن جهة ثانية يجب أن نضيف إلى ذلك كله أن السكان المحليين في هذه الوديان الجبلية يشعرون بحساسية مفرطة تجاه تصنيفهم بأنهم من أصول إسلامية - عربية. فقد رفضوا بأشد التعابير القول بأنهم يتحدرون من أصل عربي. وربما يكون ذلك قد أثّر على صحة المعارف المحلية، وساهم في دفع الأمور نحو البحث عن تفاسير بديلة بما يدعم هذا الجدال الكلامي(21).
الدلائل الإقتصادية
يعتقد بعض البحاثة أن العرب المسلمين ساهموا في تطوير الحياة الإقتصادية للسكان الذين كانوا تحت سيطرتهم، وخاصة في فرنسا وسويسرا. ففي فرنسا تتضمن هذه الإسهامات:
أ - إدخال زراعة القمح وخاصة في منطقة الفار Var. ويعرف هذا النوع من القمح في فرنسا باسمين هما القمح الأسود Ble noir. ومما يؤكد على ذلك الاسم الثاني له وهو قمح السراسين(أي القمح العربي الإسلامي).
ب - إدخال زراعة شجر البلوط في المنطقة المحيطة بمنطقة فرينيه Freinet، كما تشير إلى ذلك الروايات المحلية.
ج - إدخال الطريقة العربية في تحويل لب خشب الصنوبر إلى قطران لتشغيل المراكب البحرية. ودعماً لذلك يشير هؤلاء الباحثون إلى أن الكلمة الفرنسية لقطران شجر الصنوبر هي قودرون Goudron، وهي مشتقة من الكلمة العربية قطران(22).
مع ذلك فإن هذا الدليل ليس مجرداً من الإشكاليات، إنه يعتمد من جهة على الإشكاليات اللغوية، ومن جهة ثانية على التقاليد المحلية. في الحالة الأولى فإن هذه الإشكاليات لا تظهر ارتباطاً عادياً بين الاسم والمسمى بشكل واضح، وفي الحالة الثانية فإن الروايات المحلية لا يمكن الاعتماد دائماً عليها.
إن لبعض الأدلة حضوراً أقوى، ويمكن الاعتماد عليها أكثر. ويبدو أن المسلمين العرب قاموا بأعمال منجمية (حفر مناجم بحثاً عن المعادن) وخاصة في تاند Tende ولافيرييه La Ferrier قرب برشلونة Barcelonette، حيث صنعوا كما يبدو الأسلحة. وفي هذه الحالة جرى البحث التنقيبي فعلاً في هذه المناجم.
أكثر من ذلك، ففي المناجم قرب تاند (وكذلك في مناجم فالوريا Valuria) هناك معارض تحمل اسم "معرض المسلمين العرب" Gallerie Sarrasine، وذلك لأنهم(أي المسلمين العرب) هم الذين قاموا بحفرها(وهذه حالة مثبتة من خلال الآثار المتبقية).
أمّا في سويسرا فإنّ الأدلة تبدو أقل جزماً. وفي الواقع فإن كل ما قُدِّم من حجج يتوقف على روايات محلية، رغم أن بعض المظاهر الاستثنائية في المناطق المشكوك فيها تستحق الإهتمام. مثالاً على ذلك، توجد رواية محلية في أحد وديان الرون Rhone تقول إن المسلمين العرب عندما أقاموا في هذا الوادي ادخلوا زراعة نوع معين من العنب، الذي لا يزال يزرع هناك حتى اليوم.
وفي الواقع فأن الخمر الذي يعصر من هذا العنب يعرف محلياً باسم Heiden Wein أي خمر الوثنيين، وذلك كمؤشر إلى أنه ادخل عن طريق غير المسيحيين. ويمكن اعتبار هذا الأمر مؤشراً في حد ذاته.
وهناك من يعتقد أن المسلمين العرب هم الذين أدخلوا لحم الغنم كمصدر للحوم. كما أن إمتناع السكان المحليين عن تربية الخنازير لا يمكن تفسيره إلا على أنه يعود إلى فترة حكم المسلمين العرب.
وباختصار لا يمكن القول بأن ثمة مؤشرات كثيرة على النشاطات الإقتصادية التي قام بها المسلمون العرب، ولكن من جهة أخرى، فأن ما يتوفر لدينا من أدلة تشير إلى أنه كان لنشاطات مستوطنة فراكسيناتوم Fraxinetum أثر أكبر مما يبدو من خلال قراءة الوقائع المعاصرة.. ربما كانت نشاطاتهم أكثر تنوعاً وأبعد مدى مما كان يعتقد. ومن شأن ذلك أن يطرح السؤال حول ما إذا كان المسلمون العرب قرروا البقاء طويلاً في هذه المناطق ثم تراجعوا عن هذا القرار بتوجيه من الخليفة(الحَكَم) في قرطبة، كما أشرنا إلى ذلك من قبل.
المؤشرات العنصرية (الاثنية)
تعتبر هذه المؤشرات المصدر الأكثر جدوى، وهي في الوقت نفسه، المساحة الأكثر إهتماماً لتأكيد الأحداث الماضية من خلال البصمات المعاصرة.
ففي الحالة الفرنسية، وجد الباحثون أن عدداً من الاستخدامات والعادات المثيرة للاهتمام في بروفنسا Provence وفي وادي الرون Rhone تعود إلى زمن الاجتياح الإسلامي - العربي. ومن هذه العادات بعض الرقصات الشعبية - الفولكلورية، والاحتفالات الخاصة المتعلقة بخروج المسلمين العرب من القرى الصغيرة. هنا نجد أن بعض الباحثين يتعامل مع هذه المؤشرات بشيء من الشك، وذلك بحجة أن المساهمة العربية - الإسلامية، ربما تكون قد جاءت في وقت متأخر وتركت بصماتها في مرحلة لم يكن السكان القرويون يعرفون عنها الكثير.
ومن جهة ثانية وافق العلماء الإختصاصيون في تلك المرحلة(مطلع القرون الوسطى) ومن زمن طويل، على أن الغزوات العربية الإسلامية، وأن الوجود العربي الإسلامي في جنوب فرنسا تركا آثاراً بعيدة المدى. والسؤال هو: إلى أي درجة؟ وثمة سؤال آخر مرتبط بالموضوع الحالي وهو: هل يمكن(أو هل من الضروري) الفصل بين المؤثرات الواضحة عن الغزوات والاحتلالات التي وقعت في منتصف القرن الثامن، عن تلك التي وقعت في منتصف القرن العاشر؟
بالنسبة للجواب على السؤال الأول، فأن بعض العلماء يعتقد أن التأثير كان بنيوياً، وأنه غيّر بشكل كامل مستقبل أوروبا. وبالنسبة لعلماء آخرين فأن تلك الاجتياحات دمرت الوحدة الثقافية والتجارية للبحر المتوسط وأدت إلى إعادة تجمّع المراكز الثقافية الأوروبية في الشمال. وهناك آخرون يعتقدون أن هذه الاجتياحات غيّرت العلاقات الدينية - السياسية القائمة بما مكّن السكان على التعامل عسكرياً مع التهديد العربي الإسلامي بأشكال أكثر فعالية.
من المؤكد أنه ليس بالإمكان في إطار هذا المقال تقديم تلخيص وافٍ للإشكاليات المطولة والمعقدة والأدلة المتعلقة بها مع النظريات المختلفة حول مدى تأثير العرب المسلمين على جنوب أوروبة. مع ذلك، لا بد من ملاحظة أن أكثر هذه المؤثرات تداولاً تتناول اللغة والأساليب الأدبية والعادات في بروفنس Provence. إضافة إلى ذلك فأن تحليل ومناقشة مثل هذه الأسباب المتعددة، وتأثيراتها(مثل دور التطوير التقني في الفروسية، وعلاقات التبادل التجاري، ومصادرة الأراضي وسياسات إعادة توزيعها، وحتى المصادر الأساسية لعبارة الأرض المقطعة والمقتطعة "Fief" (ولعل مصدرها فيء) من شأنه أن يحافظ على استمرار الاختلاف حول ما بعد الوجود العربي الإسلامي(23).
وفي الوقت نفسه، يبدو مستبعداً جداً أن تكون هناك حاجة إلى التمييز بين الأحداث التي وقعت في الأوقات المختلفة التي أشرنا إليها. وبكلام آخر فأن حجب معارف أساسية جديدة(أثرية وأدبية) لا يسمح لنا بأن نفعل لك.
وفي الحالة السويسرية، فإن الدليل هو أشد ثباتاً وأكثر تنوعاً. فعلى سبيل المثال فإن العديد من البحاثة سجلوا ملاحظات حول المواصفات غير العادية لسكان وادي الساس Saas. وهو واد منعزل نسبياً يمتد جنوباً من مدينة فيسب Visp في الرون Rhone وينتهي في ممر نادر الاستخدام وهو ممرّ مونت مورو Monte Moro والذي يؤدي إلى وادي أنزا Anza في إيطاليا(عند مدينة ماكوغناغا Macugnaga. وقد سجل أحد هؤلاء البحاثة ملاحظات حول "السمات الساميّة" التي وجدها في هذا الوادي وفي الوديان المجاورة له. ولاحظ باحث آخر كيف أن السكان بصورة عامة ذكّروه بالنماذج التي وجدت في جنوب إيطاليا أو بين الإفريقيين الشماليين(أي عرب شمال إفريقيا). جدر الإشارة هنا إلى أن هذه الإختلافات المتجمعة في السمات الجسدية والتي كثيراً ما كانت موضع حديث في السابق، لا تزال واضحة حتى اليوم. أكثر من ذلك، هناك باحث واحد على الأقل لاحظ نسبة عالية من الأسماء المتداولة في جنوب وادي الرون Rhone والتي تتميز بنكهتها الشرق أوسطية أو الشمال افريقية
avatar
مشاري

عدد المساهمات : 1
xccc : 123150
nbvbnvbn : 50
تاريخ التسجيل : 20/01/2011

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى